عبد الكريم الخطيب

98

التفسير القرآنى للقرآن

من كل عيب يدخل عليها في أعضائها ، أو في لونها : « مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها » . وهنا يجد القوم أن بقرتهم قد لبست أوصافا لا تكاد تقع إلا في القليل النادر ، فيجدّون في البحث عنها ، وهم سعداء بهذا الجري اللاهث وراءها . . ويلقون إلى موسى بتلك الفرحة التي ملأت صدورهم ، قبل أن يعثروا عليها « الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ » ! ! الآن فقط ! كأنه إنما كان في كل ما جاءهم به من قبل عن هذه البقرة وغيرها ، ليس مما هو حق ، بل باطل وعبث ! « فذبحوها ، وما كادوا يفعلون » أي أنهم لم يكادوا يجدون بقرة على تلك الصفة ، أو أنهم حين وجدوها صغرت في أعينهم ، فكادوا ينصرفون عنها ، ويطلبون أوصافا أخرى لبقرة غيرها ! فانظر كيف يستبدّ بهم اللجاج والعناد ، وكيف يوردهم لجاجهم وعنادهم موارد التّيه والضلال ، ولو أنهم امتثلوا ما أمروا به من أول الأمر ، وعمدوا إلى أية بقرة من البقر لكانوا قد أدوا ما أمروا به ، وكفوا أنفسهم مئونة هذا العناء . وإذ يذبحون البقرة يفتحون أعينهم وأفواههم إلى موسى قائلين له : ما ذا بعد ذلك ؟ ويجيئهم الجواب : « فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى ، وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » . ويضرب الميت ببعض لحم البقرة ، فتعود إليه الحياة ، وينطق باسم قاتله ، ثم يعود إلى عالم الموتى ، إلى يوم يبعثون ! بقدرة اللّه قام هذا الميت ، وليس للبقرة ولا لذبحها وضربه ببعض لحمها علاقة بهذه الحياة التي عادت إليه ، فقدرة اللّه فوق الأسباب جميعها ، ولكن مطلوب من الناس أن يعملوا ، وأن يتحركوا إلى الغايات التي ينشدونها ،